فخر الدين الرازي
219
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
القول الثاني : أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من عند نفسه . واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين اللّه ، أو بينه وبين رسول اللّه ، أو بينه وبين سائر الناس / أما الذي بينه وبين اللّه فهو ما يلزمه بالنذور والإيمان ، وأما الذي بينه وبين رسول اللّه فهو الذي عاهد الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة والمظاهرة والمجاهدة وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، وأما الذي بينه وبين سائر الناس فقد يكون ذلك من الواجبات مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم ، وكذا الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن ، وقد يكون ذلك من المندوبات مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة ، فقوله تعالى : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى لقصر الآية على بعض هذه الأقسام دون البعض ، وهذا الذي قلناه هو الذي عبر عنه المفسرون فقالوا : هم الذين إذا واعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا وفوا ، وإذا قالوا صدقوا ، وإذا ائتمنوا أدوا ، ومنهم من حمله على قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ [ التوبة : 75 ] الآية . الأمر الخامس : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [ البقرة : 177 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : في نصب الصابرين أقوال الأول : قال الكسائي هو معطوف على ذَوِي الْقُرْبى كأنه قال : وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين : قال النحويون : إن تقدير الآية يصير هكذا : ولكن البر من آمن باللّه وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين ، فعلى هذا قوله : وَالصَّابِرِينَ من صلة من قوله : وَالْمُوفُونَ متقدم على قوله : وَالصَّابِرِينَ فهو عطف على مَنْ فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئا ، وهذا غير جائز لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد ، ومحال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو يعطف عليه إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه ، أما إن جعلت قوله : وَالْمُوفُونَ رفعا على المدح ، وقد عرفت أن هذا الفصل غير جائز ، بل هذا أشنع لأن المدح جملة فإذا لم يجز الفصل بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى . فإن قيل : أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة كقول القائل : إن زيدا فافهم ما أقول رجل عالم ، وكقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [ الكهف : 30 ] ثم قال : أُولئِكَ ففصل بين المبتدأ والخبر بقوله : إِنَّا لا نُضِيعُ قلنا : الموصول مع الصلة كالشئ الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق بين المبتدأ والخبر ، فلا يلزم من جوازه الفصل بين المبتدأ والخبر جواز بين الموصول والصلة . القول الثاني : قول الفراء : إنه نصب على المدح ، وإن كان من صفة من ، وإنما رفع الموفون ونصب الصابرين لطول الكلام بالمدح ، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم إذا طال الكلام بالنسق في صفة الشيء الواحد ، وأنشد الفراء : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وقالوا فيمن قرأ : حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [ المسد : 4 ] بنصب حَمَّالَةَ أنه نصب على الذم ، قال أبو علي الفارسي :